محمد هادي معرفة
92
التفسير الأثري الجامع
ظهورها ، وهو استطراد دعا إليه استعداد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعمرة القضاء سنة ستّ « 1 » ، وتوقّع المسلمين غدر المشركين بالعهد ، وهو قتال متوقّع لقصد الدفاع ، لقوله : الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ؛ فكان إذنا للقتال مع من قاتلهم ، وليس إذنا في مبادأة القتال . وسوف ننبّه أن لا قتال ابتدائيّا في شريعة الإسلام ، وإنّما هو دفاع محض ، لغرض هدم السدود الّتي يضربها العدوّ ، دون نشر الدعوة ، وقد خاب ظنّهم وخسر هنالك المبطلون . مشروعيّة القتال دفاعا عن الحقّ إذ من حقّ البشريّة أن تبلغ إليها الدعوة وأن لا تقف عقبة أو سلطة في وجه التبليغ بأيّ حال من الأحوال . كما أنّ من حقّ البشريّة كذلك أن يترك الناس بعد وصول الدعوة إليهم أحرارا في اعتناق الدين ، لا تصدّهم عن اعتناقه عقبة أو سلطة . وعليه فإذا أبى فريق من الناس أن يعتنقه بعد البيان ، لم يكن له أن يصدّ الدعوة عن المضيّ في طريقها ، وكان عليه أن يعطي من العهود ما يكفل لها الحرّيّة والاطمئنان ، وما يضمن للجماعة المسلمة المضيّ في طريق الدعوة بلا عدوان . فإذا اعتنقها من هداهم اللّه إليها ، كان من حقّهم أن لا يفتنوا عنها بأيّ وسيلة من وسائل الفتنة ، لا بأذى ولا بإغراء ولا بإقامة أوضاع من شأنها صدّ الناس عن الهدى وتعويقهم عن الاستجابة . فكان من واجب الجماعة المسلمة أن تدفع عنهم بالقوّة من يتعرّض لهم بالأذى والفتنة ، ضمانا لحرّيّة العقيدة ، وكفالة لأمن الّذين هداهم اللّه ، وإقرارا لمنهج اللّه في الحياة ، وحماية للبشريّة من الحرمان من ذلك الخير العام .
--> ( 1 ) الثعلبي 2 : 88 . عن ابن عبّاس قال : نزلت هذه الآية في صلح الحديبيّة وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خرج مع أصحابه للعمرة وكانوا ألفا وأربعمائة ، فساروا حتّى نزلوا الحديبيّة فصدّهم المشركون عن البيت الحرام ، فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكّة عام قابل ثلاثة أيّام ، فيطوف بالبيت . فلمّا كان العام المقبل تجهّز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه لعمرة القضاء ، وخافوا أن لا تفي قريش بما قالوا ، وأن يصدّوهم عن البيت الحرام ، وكره أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم ، فأنزل اللّه تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني محرمين الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعني قريشا وَلا تَعْتَدُوا ولا تظلموا فتبدأوا في الحرم بالقتال محرمين إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .